أبي طالب المكي
132
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
يضيع أجر المصلحين ، كما لا يصلح عمل المفسدين ، فإذا كان مصلحا بالتوبة ما أفسد بالهوى استعمل بالصالحات لأنه قد صلح ، فإذا عمل بالصالحات أدخل في الصالحين لأنه قد فضل . قال الله تعالى : * ( ويُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ) * [ هود : 3 ] ، وقال في البيان الأول : * ( وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ في الصَّالِحِينَ ) * [ العنكبوت : 9 ] ، فمن صلح له تولَّاه ومن تولاه علمه وحباه وكاشفه من نفسه وعافاه وأحبه ، فكان هو حسبه وكفاه وجعله تحت كنفه وآواه ، فيكون ظاهر حاله العصمة من الهوى ، وأعلاه مشاهدة عين اليقين من المولى . ومن اكتسب من المظالم ظلم ، ومن ظلم ولَّاه مثله ومن ولَّاه مثله تولى عنه . ومن تولى عنه أفسد ومن أفسد قطع ما أمر الله به أن يوصل ، ومن قطع بعد فانقطع ومن انقطع فبعد لعن وطرد ومن طرد عمي وصمّ تحت الهوى المعمي المصمّ ، ومن عمي لم يشهد البصير ومن صمّ لم يسمع من السميع ، فكيف يتدبر الخطاب وقلبه مقفل وهمه على هواه مقبل ؟ والفتاح العليم عنه معرض ؟ فهذا من توصيل القول بمطلع المقول من قوله تعالى : * ( نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ) * [ الأنعام : 129 ] ومن قوله تعالى : * ( إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا في الأَرْضِ ) * [ محمد : 22 ] الآية . فبينوا وللتائب حال من أول المحبة ، وللتواب مقام من حقيقة الحبّ ، وللناس في التوبة مقامات حسب كونهم في الهوى طبقات ، وهم في الحب درجات نحو مشاهدتهم لمحاسن الصفات . فتجلَّى لكل وجه بمعنى . حسن وجهه هذا في القلوب عن محاسن الإيمان . وفي الآخرة على معاني محاسن الوجوه في العيان . فتحكم عليهم المشيئة منه لهم بما يوجدهم به منه على معاني ما أوجدهم منه به اليوم . فسبحان من هذه قدرته عن إرادته وسع كل شيء رحمة وعلما . ويلزم كل عبد من المجاهدة على قدر ما ابتلى به من الهوى ، ويثبت له من المحبة بقدر ما صح له من التوبة ، ويسقط عنه من المجاهدة بقوة ما يشكف له من المشاهدة ، فيحمل الإشهاد عنه آلام الجهاد ، فيكون العبد في البلاء محمولا ، ويكون يقينه بالشهادة واليقين موصولا . وهذا من سوابغ العوافي وتمام من النعماء ، وهؤلاء الذين أنعم الله عليهم من النّبيين والصدّيقين والشهداء وهم الذين جاء الخبر فيهم . إنّ لله عبادا ضنائن من خلقه ، يغذوهم برحمته ويجعلهم في ظل عافيته ، يضن بهم عن القتل والبلاء ويحييهم في عافية ، ويدخلهم الجنة في عافية أولئك الذين تمرّ عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها في عافية ، فالأفضل بعد هذا لكلّ عبد معرفته بعلم حاله ، ووقوفه على حده ولزوم الصدق في مقامه ، وترك التكلَّف والدعوى في جميع سكونه وحركته . فإنه هذا أبلغ فيما يريد ، وأوصل في طلب ما يرجو . فإنّ علم العلماء لا يغني عنه